روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

331

عرائس البيان في حقائق القرآن

قال الحسين في قوله : بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ : هذا جواب لما سلف من قولهم لا أن أحدا يستطيع حمل مننه ، فكيف يمن على من خطر له عنده ، ولا أثر منه عليه ، وأعجب منه ألا يمن على أحد إلا بالمخلوق ، ولا وزن للكون عنده ، فكيف يمنّ بمن لا وزن له على أحد ؟ ! عجبت من مقالة أكابر المشايخ بأن منة اللّه على العبد حجاب ومكر إن أرادوا بالمنة الفعل واصطناع الكريم يكون ذلك مكرا ؛ لأن العبد إذا كان في رؤية النعمة فهو محجوب من رؤية المنعم ، وإن أرادوا بالمنة صفته الأزلية بأنه منان على كل ذرة من العرش إلى الثرى ، فإن ذلك ليس بحجاب ؛ إذ منانيته كشوف وصفه بنعت تعريف نفسه لعباده ؛ ليعرفوه بالصفة لا بالغير ؛ ولذلك قال الجنيد - قدّس اللّه روحه - : إن منّ العباد تفزيع ، وليس من اللّه تفزيع ، وإنما هو من اللّه تذكير النعم ، وحثّ على شكر المنعم ، ثم بيّن سبحانه أن المتكلفين بإسلامهم على حبيبه عليه الصلاة والسلام من جهلهم باللّه وبأنفسهم ؛ إذ ليس لهم منة ؛ لأنهم عجزة أنفسهم ، والمنة لمن هو منزّه عن الخلل والنقصان ، وهو محيط بكل ذرة بعلم أزليّ ، ويعلم حقائق الأشياء ؛ إذ هو موجدها بقوله : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 18 ) : ليس له غيب ؛ إذ الغيب شيء مستور ، وجميع الغيوب عيان اللّه ، وكيف يغيب عنه ؟ ! وهو موجده ، يبصر ببصره القديم ما كان وما لم يكن ؛ إذ هناك العلم والبصر واحد . سورة ق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 1 إلى 7 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ( 1 ) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ ( 2 ) أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ( 5 ) أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) ق : قف ، أقسم اللّه سبحانه بذاته وصفاته ، قاف قاف كبرياء قدمه ، الذي هو أصل وأصل كل أصل ، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ : الذي هو مخبر عن جميع الذات والصفات ، المشتمل على حكميات الأفعال ، المقدس عن تغاير الأزمنة والدهور ، الذي كشف بيان ما يقع لأرواح العارفين وأسرار الواصلين ، وقلوب المحبين ، وعقول الصديقين ، وصدور المقربين ، ظاهره ظاهر البيان من حيث العبودية ، وباطنه باطن العيان من حيث الربوبية ، وحرف القاف